أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
67
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الحياة . فدخل الصحن الحيدري الشريف وكان حائراً بين التكليف الشرعي الذي يدعوه إلى الاقتراض من جهة وبين البقاء على عزمه والتوكّل على الله الذي ينهاه عن ذلك من جهة أخرى ، وجلس على هذه الحال أمام إحدى غرف الشمال الغربي من الصحن الطاهر ، وأخذ يفكّر في أمره ، وفي هذه الأثناء جاء شخصٌ مجهولٌ ووقف أمامه وسأله : « هل أنت السيّد موسوي ؟ » ، فقال له السيّد إسماعيل : « نعم » ، فأعطاه خمسة توأمين ، وقال له : « هذا نذرٌ للسيّد الموسوي » . وبهذا بقي السيّد على عزمه إلى آخر عمره . وكان السيّد الصدر في بعض الأحيان يحدّث أولاده بمثل هذه الحكايات والنوادر التأريخيّة بهدف تهذيب نفوسهم وتربيتهم على مكارم الأخلاق ، وأنّ العلم والفضيلة وشرف الأسرة لا يجب أن يكون سبباً لتكبّر المرء وغروره ، بل يجب على صاحب العلم والفضيلة أن يتواضع للناس أكثر ، وكلّما كانت مكانته بينهم أكبر كان تواضعه أكثر ، وهذه أفضل وسيلة للتعريف برجل العلم والتقوى . كما يجب أن يكون الرجل صادقاً في توكّله وراسخاً في عزمه . 4 - كان السيّد إسماعيل يقيم صلاة الجماعة في الصحن الحسيني الشريف أيّام إقامته في كربلاء . وفي إحدى الزيارات الخاصّة كان الصحن غاصّاً بالمصلّين في جهاته الأربع وقت صلاة المغرب والعشاء ، إلّا أنّ السيّد لم يأتِ إلى الصلاة بالرغم من طول انتظار الناس ، فقام الشيخ محمّد رضا آل ياسين - الذي كان موجوداً في الصحن أيضاً - وذهب إلى بيت السيّد فرآه يتمشّى على سطح الدار ، فقال له : « سيّدنا لِمَ لم تأتِ إلى الصلاة ؟ » ، فأجابه السيّد : « وهل أنا أجيرٌ عندكم ؟ » . يقول الشيخ آل ياسين : « إنّ هدف السيّد من هذه الأعمال كان تهذيب النفس وتربيتها ، ولم يفكّر يوماً في الزعامة والرئاسة ، ولذا لم يكن لديه اهتمام بمسألة المرجعيّة وصلاة الجماعة » . 5 - وهناك حادثة ذكرها السيّد محسن الحكيم ورد فيها السيّد إسماعيل الصدر ، فقد ذكر أنّ بعض الأعاظم حدّث أنّه حضر يوماً منزل الآخوند ملّا فتح علي مع جماعة من الأعيان ، منهم السيّد إسماعيل الصدر والحاج النوري صاحب المستدرك والسيّد حسن الصدر ، فتلا الآخوند قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ . . . « 1 » ، ثمّ شرع في تفسير قوله تعالى فيها حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ، وبعد بيان طويل فسّرها بمعنى لمّا سمعوه منه استوضحوه واستغربوا من عدم انتقالهم إليه قبل بيانه لهم ، فحضروا عنده في اليوم الثاني ففسّرها بمعنى آخر غير الأوّل فاستوضحوه أيضاً وتعجّبوا من عدم انتقالهم إليه قبل بيانه ، ثمّ حضروا عنده في اليوم الثالث فكان مثل ما كان في اليومين الأوّلين . . ولم يزالوا على هذه الحال كلّما حضروا عنده يوماً ذكر لها معنى إلى ما يقرب من ثلاثين يوماً ، فذكر لها ما يقرب من ثلاثين معنى ، وكلّما سمعوا منه معنى استوضحوه « 2 » . 6 - ومن وثائقه رسالته إلى الميرزا محمّد رحيم الباكوئي ، التاجر الآذربايجاني الذي أسّس عدّة
--> ( 1 ) الحجرات : 7 ( 2 ) هذه الحادثة بالخصوص من : حقائق الأصول 95 : 1 - 96 ، والباقي من تكملة أمل الآمل على ما تجده في آخر الترجمة .